ابن الجوزي

395

صيد الخاطر

قال : ما بانت لي ، فيجب عليّ تسليم الأمر لمالكه . وان أقواما نظروا بمجرد العقل إلى كثير من أفعال الحق سبحانه فرأوها لو صدرت من مخلوق نسب فيها إلى ضد الحكمة ، فنسبوا الخالق إلى ذلك . وهذا الكفر المحض ، والجنون البارد . والواجب نسبة الجهل إلى النفوس . فان العقول قاصرة عن مطالعة حكمته . وأول من فعل ذلك إبليس فإنه قد رآه قد فضل طينا على نار « 1 » ، والعقل يرى النار أفضل فعاب حكمته ، وعمت هذه المحنة خلقا ممن ينسب إلى العلم وكثيرا من العوام فكم قد رأينا عالما يعترض وعاميا يرد فيكفر . وهذه محنة قد شملت أكثر الخلق ، يرون عالما يضيّق عليه وفاسقا يوسّع عليه . فيقولون : هذا لا يليق بالحكمة . وقد علم العلماء أن اللّه تعالى قد فرض الزكوات والخراج والجزية والغنائم والكفارات ليستغني بها الفقراء ، فاختص بذلك الظلمة ، وصانع من تجب عليه الزكاة باخراج بعضها ، فجاع الفقير . فينبغي أن نذم هؤلاء الظلمة ولا نعترض على من قدّر الكفاية للفقراء . وقد حصل في ضمن هذا عقوبة الظالمين في حبسهم الحقوق ، وابتلاء الفقراء بصبرهم عن حظوظهم . وأكثر هؤلاء المعترضين لا يكادون يسلمون وقت خروج الروح من اعتراض يخرج إلى الكفر ، فتخرج النفس كافرة . فكم عامي يقول : فلان قد ابتلي وما يستحق . ومعناه أنه قد فعل به ما لا يليق بالصواب وقد قال بعض الخلعاء : أيا رب تخلق أقمار ليل * وأغصان بان وكثبان رمل وتنهى عبادك أن يعشقوا * أيا حاكم العدل ذا حكم عدل ؟ ومثل هذا ينشده جماعة من العلماء ويستحسنونه ، وهو كفر محض . وما فهم القائلون لهذا ، أنه ما نهى عن العشق وانما نهى عن العمل بمقتضى العشق من الأشياء المحرمة كالنظر واللمس والفعل القبيح ، والامتناع عن المشتهى دليل على وجود الناهي ، كصبر العطشان في رمضان عن الماء . فإنه دليل على الايمان بوجود من أمر بالصوم . وتسليم النفوس إلى القتل والجهاد دليل على اليقين

--> ( 1 ) كرر هذه المعاني غير مرة .